عبد الوهاب الشعراني

482

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

وتقدم حديث أم سلمة في « الصحيح » مرفوعا : « إذا حضرتم الميّت فقولوا خيرا فإنّ الملائكة تؤمّن على ما تقولون » . وروى البخاري في « صحيحه » مرفوعا : « لا تسبّوا الأموات فإنّهم أفضو إلى ما قدّموا » . وروى البخاري أيضا وزاد ابن حبان عن مجاهد قال : قالت عائشة ما فعل يزيد بن قيس لعنه اللّه ؛ قالوا قد مات قالت أستغفر اللّه فقالوا لها ما لك لعنتيه ثم قلت أستغفر اللّه ؟ فقالت إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا تسبّوا الأموات » الحديث . وفي رواية لأبي داود مرفوعا : « إذا مات صاحبكم فدعوه ولا تقعوا فيه » واللّه تعالى أعلم . [ ترغيب الرجال في زيارة موتاهم : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نرغب إخواننا من الرجال في زيارة قبور أمواتهم كل قليل ، وذلك لنجازى على ذلك فلا ينسانا أهلنا من الزيارة إذا متنا ولا نترك ذلك إلا من عذر شرعي . وقد روى الإمام سنيد بن عبد اللّه الأزدي في تفسيره : « زوروا القبور ولا تكثروا من زيارتها » . أي خوفا من زوال الاعتبار بها كما هو شأن من يغسل الموتى ويحملهم ويحفر لهم فإنك لا تكاد تجد عنده اعتبارا بذلك أبدا لكثرة مخالطته لهم وكذلك إذا سكن الإنسان في المقابر يذهب اعتباره ، بخلاف ما إذا كان بعيد العهد برؤية القبور وأشرف عليها فإنه يجد في نفسه الاعتبار والاتعاظ بتذكر أحوال الموتى وما ندموا عليه . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : إياكم أن تتخذوا لكم في القبور مساكن ومراحيض فإن ذلك يؤدي إلى مكث الناس هناك فيذهب اعتبارهم بالأموات فقلت له ربما يقرؤون ختوما فيها ، فقال الأفضل للفقهاء أن يتوضؤوا خارج المقابر ، فإن المراحيض ربما سرت إلى الأموات فأضرت بحالهم : وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ النور : 46 ] . وروى مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : « زار النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم قبر أمّه فبكى وأبكى من حوله ، فقال استأذنت ربّي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي فاستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنّها تذكّركم الموت » . وروى الإمام أحمد ورواته محتج بهم في « الصحيح » : « إنّي نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنّ فيها عبرة » .